أ. د. حيدر أحمد اللواتي **
تحدثنا في مقالين سابقين عن بعض ما ورد في كتاب Goodbye Religion: The Causes and Consequences of Secularization"، وترجمته "وداعًا للدين: أسباب وعواقب العلمنة".
وقد أشرنا فيهما إلى أهم الأمور التي أوردها المؤلفان والتي أسهمت في خروج أفراد من المجتمع الأمريكي من الدين، وسنشير هنا إلى بعض الأمور الأخرى التي ساهمت ولو بصورة أقل إلى ظاهرة الخروج من الدين في المجتمع الأمريكي.
فقد لاحظ الباحثون أن أغلب الذين تركوا الدين هم من أنصار الحزب الديمقراطي؛ فالحزب الجمهوري يميل إلى التَّشدد ويعد حزبًا ذا ميول دينية مسيحية، ولذا فهناك نفور من قبل غالبية الخارجين من الدين من هذا الحزب. ويرى الباحثان أن سلوك الحزب الجمهوري وأحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، كان لها وقع كبير في نفور النَّاس من الدين، فنظرا للمعرفة البسيطة لدى الناس عن الأديان؛ إذ إنهم يضعون الأديان جميعها في بوتقة واحدة، وبما أنهم يرون أنَّ سلوك هذا الحزب وتوجهاته سيئة فإنَّ ذلك انعكس على الأديان برمتها، وغدت النظرة سلبية عند هؤلاء عن جميع الأديان.
ومن الأسباب الأخرى التي أوردها الباحثان تعارض النصوص الدينية في بعض الأديان مع النظريات العلمية، كالقول إن الأرض عمرها 6 آلاف سنة، أو رفض نظرية داروين ووجود سلف مشترك لكل الكائنات الحيَّة، هذا بالإضافة إلى عدم قناعتهم بالعقائد الأساسية كالإيمان بالبعث، وتشكل رفض التعاليم والعقائد الدينية 38% من أسباب الخروج من الدين، لكن اللافت في الأمر أن التشكيك في هذه التعاليم يبدأ في سن المراهقة، والخروج الرسمي من الدين يتم إعلانه لاحقًا وذلك بعد أن يستقل الشاب في حياته.
كما إن لمسألة ما أسماه المؤلفان ظاهرة "النفاق الديني"، دورًا في انتشار ظاهرة ترك الدين أيضاً، ويقصد من هذه الظاهرة أنَّ الفرد الذي ينشأ في أسرة تدّعي أنها ملتزمة، لكنه يلاحظ أن الأبوين يمارسان نوعا من النفاق فهما لا يلتزمان بالتعاليم الدينية، ولكنهما يظهران خلاف ذلك، وقد أشار البعض بأنه لاحظ هذه الظاهرة عند بعض رجال الدين مما دفعه للخروج من الدين الذي نشأ عليه.
ومن الأسباب الأخرى التي تدفع البعض للخروج من الدين حسب هذه الدراسة، النموذج المغاير للملحد في الواقع الخارجي؛ اذ إن بعض الأسر تربي أبناءها على صورة معينة للملحد، فتصوره بأنه شخص سيء الخلق، وعديم الضمير، ولكن الأبناء عندما يكبرون ويختلطون ببعض الملحدين، يجدونهم عكس ذلك تمامًا، وأنهم في بعض الأحيان لا يختلفون في أخلاقهم عن المؤمنين، بل ربما قد يكونون أكثر التزامًا بالقيم الأخلاقية، كل ذلك يُوَلِّد لديهم قناعات مفادها بأن سلوك الفرد لا يرتبط بإيمانه من عدمه، كما يوضح لهم بأن الآباء عكسوا صورة كاذبة عن الملحد، وهذا يولد لديهم ردة فعل عنيفة تجعلهم يتراجعون عن الدين.
وخلافًا لما هو سائد في أذهان الكثيرين فقد أشارت الدراسة إلى أمر لافت فيمن تركوا الدين وذلك بأنهم يحرصون على تربية أبناءهم بما يؤمنون به هم أنفسهم وعدم السماح لهم بالرجوع إلى الدين الذي تركه الوالدين.
ومن الأمور اللافتة للنظر أن ما يقارب من 35% من الخارجين من الدين ما زالوا يؤمنون بوجود الجحيم، إما بصورة جازمة أو باحتمال مرتفع، وهذا يعني بأنهم ما زالوا يؤمنون بوجد خالق لهذا الكون بالإضافة إلى ايمانهم بالبعث أيضا.
وعلى الرغم من أن ظاهرة الالحاد وترك الدين لها أهمية بالغة في مجتمعاتنا الإسلامية، إلّا أنني لم أعثر على كتاب واحد يدرُس الظاهرة وحجمها وأسبابها من خلال بحوث ميدانية واضحة، وربما يعود السبب في ذلك إلى صعوبة القيام بذلك وخطورته في آنٍ واحد. ولذا فالملاحَظ أنَّ غالب الكتب تناولت الإلحاد في مجتمعاتنا الإسلامية هي من خلال تصورات شخصية وتجارب عاشها المؤلف أو خالط بها بعض الملاحدة، والكثير منها يطرح الإشكالات العقدية التي يطرحها الملاحدة، ويعتبرها أساسًا لأسباب الإلحاد، ومن ثم يطرح الإجابة عليها مستعينا بالمنهج الفلسفي والعلمي.
وإذا كانت أسباب الخروج من الدين في مجتمعاتنا الإسلامية شبيهة بتلك الأسباب التي أشار لها الباحثان، فإن هذه الكتب ستكون قد لعبت دورًا مُهمًا في التصدي لهذه الظاهرة في مجتمعاتنا الإسلامية، لكن يجب التركيز أيضًا على أمرين آخرين مهمين؛ الأول: الشعائر والأنشطة الدينية، فكما أوضحنا في المقال الأول فإن الدراسة تشير إلى أن الأنشطة التجارية الربحية والتي تقام في المناسبات الدينية وتنافس الأنشطة الدينية، قد تُولِّد ردود فعل سلبية تصل إلى التخلي عن الدين نفسه مع مرور الوقت. ولذا فمن المهم التركيز على أهمية هذه الشعائر والأنشطة الدينية وعدم السماح للأنشطة الأخرى في منافستها في المواسم الدينية المخصصة كشهر رمضان مثلًا.
أما الثاني؛ فهو مراجعة ما يرتبط بالتشريعات والأحكام الفقهية التي قد يرى البعض فيها أنها لا تتوافق مع قيم أخلاقية معينة، وطرحها على طاولة النقاش ومحاولة تفسيرها وفهمها والتحلي بالشجاعة في حال ما تطلب الأمر مراجعتها وإعادة النظر فيها.
ختامًا.. لا بُد من التأكيد على أهمية القيام بدراسات اجتماعية مشابهة في مجتمعاتنا الإسلامية إذا كُنَّا نحاول جادين أن نرصد التغيرات الفكرية والعقدية في المجتمع، ونقوم بتقديم حلول تلامس الواقع. أما الحلول التي تقدم بناء على تجارب شخصية ضيقة، فلربما تودي إلى تضييع جهود كبيرة في اتجاهات خاطئة ودون أن تقدم حلولًا ناجعة للتحديات التي تواجهها مجتمعاتنا الإسلامية.
** كلية العلوم، جامعة السلطان قابوس
